حسن الأمين
126
مستدركات أعيان الشيعة
المنعمين ولو بلقمة مغموسة بدم الإخوان وأجدادكم ينامون الآن في قبورهم مستورين أعزاء وأنتم أحياء معوجة رقابكم أذلاء » . وقد خلف الكواكبي آثارا خالدة بقيت وإن ذهب الرجل ، فقد أبقى للانسانية مجموعة من الكتب : « أم القرى » ، « طبائع الاستبداد » ، وسأتعرض لكل منها بايجاز شديد . أما كتاب « صحائف قريش » فكان قد ألفه الكواكبي وكان جاهزا للطباعة إلا أن وفاة المؤلف المفاجئة جعل الكتاب يصادر مع مجموعة من أوراقه وأرسل هدية للسلطان العثماني ، وقد بحث عنه ابنه الدكتور أسعد في الآستانة ولكنه لم يعثر عليه وقد أشار الكواكبي نفسه إلى هذا الكتاب في بداية كتابه « أم القرى » حيث قال : « من يظفر بنسخة من هذا السجل فليحرص على اشاعته بين الموحدين وليحفظ نسخة منه ليضيف اليه ما سيتلوه من نشريات الجمعية باسم » صحائف قريش « والتي سيكون لها شان في النهضة الإسلامية العلمية والأخلاقية . أما كتاب « العظمة لله » وكان هذا الكتاب قد ألفه الكواكبي ولم يطبع للناس فقد صودر هو الآخر وقد ذكر محمد كرد في مذكراته بأنه اطلع على ذلك الكتاب في مصر . وبالإضافة إلى ذلك كان الكواكبي شاعرا وما زال ابنه يحتفظ بحوالي 3000 بيت من شعره . أم القرى : ألف الكواكبي هذا الكتاب في حلب ونشر أول ما نشر في مصر سنة 1318 ه - 1900 م ، وفيه تخيل المؤلف مؤتمرا اسلاميا عقد بمكة للنظر في أحوال المسلمين وسبب تاخرهم وحضر هذا المؤتمر ممثلون عن جميع الأقطار الإسلامية حتى سكان ليفربول المسلمين قد أرسلوا من يمثلهم في المؤتمر ، وترأس المؤتمر العضو المكي بينما تولى أمانة السر الكواكبي الذي سمي بالسيد الفراتي نسبة إلى الفرات . . وقد وصل المؤلف إلى مكة في أوائل ذي القعدة بعد جولته في كثير من الأقطار ، فوجد في مكة كثيرين استجابوا لدعوته عدا الأديب البيروتي الذي اعتذر لأسباب جعلته يمتنع والتي لم يذكر عنها السيد الفراتي شيئا ، وقد مثلت في المؤتمر كل من مراكش ، تونس ، القسطنطينية ، تفليس ، تبريز ، بكين ، دلهي ، كلكتا ، ليفربول ، وقد دامت الاجتماعات 15 يوما عقد فيها المؤتمرون 13 اجتماعا بما في ذلك اجتماع الوداع . - الاجتماع الأول : عقد هذا الاجتماع يوم الاثنين 15 من ذي القعدة 1316 هوحضره 22 عضوا حيث وزعت مطبوعة تحوى مفتاح الرموز المستعملة في المؤتمر وكان شعار المؤتمر ( لا نعيد إلا الله ) وافتتح المؤتمر الأستاذ المكي بالترحيب وعرض حال المسلمين المتأخر ثم حددت خطوط الجلسة المتمثلة في تلك الحالة وتأثير الجهل عليها وتحميل العلماء والأمراء سببها ووضعوا العلامات الحمراء أمام الأمة ويبين الرئيس المكي بان النهضة متوقعة وبان الأمل موجود بل ويحدد مواعيد لها وهي فترة لا تتعدى عشرين عاما تستطيع خلالها الأمة الإسلامية أن تستوعب العلوم الحديثة وتبني مجتمعها ومن بعد في العشرين سنة المقبلة تستطيع أن تبني جيلا جديدا يرقى بها ، وقد نبه السيد المكي إلى دور الجمعيات في هذه الفترة ، وفي النهاية يطرح القضايا الرئيسية الواجب بحثها والتي تتمثل في الداء وموضعه وأعراضه ، والداء وجراثيمه ووسائل استعمال الدواء وكيف يكون التدين بالإسلام ، وعن الشرك الخفي والبدع ومقاومتها وتحرير قانون لتأسيس جمعية تعليمية . - الاجتماع الثاني لاعقد هذا الاجتماع في 17 من ذي القعدة 1316 هأي بعد يومين من الاجتماع الأول . وفي بدايته تكلم الرئيس المكي عن حالة الفتور الإسلامية مقابل حركة أعدائهم النشطة ، وعلى المؤتمر النظر في هذه المشكلة وقال الصاحب الهندي : أن كثيرا من البلدان خاملة . أما الفاضل الشامي فرد ذلك إلى عقيدة الجبرية ، أما البليغ القدسي فرده إلى أنظمة الحكم من اشتراكية ديمقراطية إلى ملكية مطلقة ، ورد الحكيم التونسي الأمر إلى الجهل ، والمولى الرومي عزاه إلى فقدان الحرية . - الاجتماع الثالث : عقد هذا الاجتماع يوم الخميس 18 من ذي القعدة 1316 هحيث واصل المولى الرومي حديثه موجها النقد اللاذع للعلماء . « الرياض الكردي » يرد الأمر إلى بعد المسلمين عن العلوم التطبيقية . أما الفقيه الأفغاني فقد رأى أن الفقر هو السبب وكذلك إساءة جباية الضرائب . - وفي الاجتماع الرابع : تحدث المندوب النيجيري عن المجتمع في ذلك الزمان مقارنا إياه بالمجتمع قبل الإسلام . - وفي الاجتماع الخامس : تم تفويض السيد الفراتي والسعيد الإنجليزي بوضع قانون دائم للجمعية ، ومحدث فيه السعيد الإنجليزي عن نشاط جماعته الداعية للإسلام ووجوب تدعيمها ، والاجتماع السادس بحث فيه الإسلام ومرونته وتطوره . - وفي الاجتماع السابع : الذي عقد في 24 من ذي القعدة 1316 م تحدث السيد الفراتي عن أسباب تأخر المسلمين وأرجعه إلى عوامل دينية وسياسية وأخلاقية ثم تحدث عن أسباب خراب الحكم العثماني فارجعها إلى قوانين تلك الدولة التي كانت تطبق على كل المناطق على الرغم من تباينها وكذلك مركزية الحكم وطريقة اختيار حكام الولايات ، وعدم المساواة بين الرعايا ، ومحاربة الأفكار الجديدة وتسليم الحكم ليد من لا يستحقه وكذلك الاستبداد بالرأي . - وفي الاجتماع الثامن : واصل الحديث السيد الفراتي موضحا النظرة الجديدة لأمة اسلامية تعيش نظام العصر . - الاجتماعات التاسع والعاشر والحادي عشر : فيها قرئ قانون الجمعية فقرة فقرة ثم نوقشت في الاجتماعين العاشر والحادي عشر . - الاجتماع الثاني عشر : وفيه دار بعض النقاش حول القانون الذي سمي ( قانون جمعية تعليم الموحدين ) ويتكون من مقدمة وفصل أول في تشكيل الجمعية ثم الفصل الثاني في ميادين الجمعية والفصل الثالث حول مالية الجمعية والفصل الرابع في وظائف الجمعية ثم الخاتمة . وفي هذا القانون نرى الدعوة صريحة لإقامة خلافة عربية مرجعين ذلك إلى ستة وعشرين سببا . طبائع الاستبداد : سبق أن ذكرت أن الكواكبي قد وصل إلى القاهرة في الوقت الذي كان أصدقاؤه يتوقعون ذهابه إلى إستانبول . ولما وصل إلى القاهرة بدأت مقالاته تتوالى في صحفها تهاجم الاستبداد . ويقول صديقه كامل الغزي : ان الكواكبي لم يطلعه على كتابه ( طبائع الاستبداد ) مثلما فعل في كتابه ( أم القرى ) ولم يعلم كغيره من أصدقائه إلا ومقالات كتابه تنشر تباعا ، وقد أصدر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني قرارا يمنع دخول الكتابين إلى بقية الممالك وقد كان الكواكبي يؤمن أن عمله لن يحقق ما يتمناه ، بل إنه سيكون خطوة على الطريق فقد وصف كتابه بأنه « كلمات حق وصيحة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح فقد تذهب غدا بالأوتاد » . ويعرف الكواكبي الاستبداد لغويا بأنه : « غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة ثم هو في اصطلاح السياسيين تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعه » .